محمد جمال الدين القاسمي

124

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وإن يك كاذبا تدركه ذنوبه ) . فأقام الرجل ما شاء اللّه ، ثم إنه خرج فأدركه اللّه بذنوبه فقتله . ثم قال ابن جرير « 1 » : حدثني علي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : قال الليث . وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدني ، وهو الآمر عندنا ، أنّ عليا الأسدي حارب وأخاف السبيل ، وأصاب الدم والمال ، فطلبه الأئمة والعامة ، فامتنع ولم يقدر عليه حتى جاء تائبا ، وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ الزمر : 53 ] . فوقف عليه فقال : يا عبد اللّه ! أعد قراءتها . فأعادها عليه . فغمد سيفه ثم جاء تائبا حتى قدم المدينة من السّحر . فاغتسل . ثم أتى مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فصلّى الصبح ثم قعد إلى أبي هريرة في غمار أصحابه . فلما أسفر عرفه الناس فقاموا إليه . فقال : لا سبيل لكم علي . جئت تائبا من قبل أن تقدروا علي . فقال أبو هريرة : صدق . وأخذ بيده أبو هريرة حتى أتى مروان بن الحكم - في إمرته على المدينة في زمن معاوية - فقال : هذا علي جاء تائبا ولا سبيل لكم عليه ولا قتل . قال ، فترك من ذلك كله . قال : وخرج علي تائبا مجاهدا في سبيل اللّه في البحر . فلقوا الروم . فقرّبوا سفينته إلى سفينة من سفنهم . فاقتحم على الروم في سفينتهم . فهزموا منه إلى سفينتهم الأخرى . فمالت بهم وبه . فغرقوا جميعا . هذا ، وفي تفسير بعض الزيدية - نقلا عن زيد والنفس الزكية والمؤيد باللّه وأبي حنيفة ومالك والشافعي - أنّ توبة المحارب تسقط الحدود للّه ، دون حقوق بني آدم من قتل أو مال ، لقوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [ البقرة : 178 ] . وقوله : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ المائدة : 45 ] . وقوله تعالى : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً [ الإسراء : 33 ] . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « على اليد ما أخذت حتى ترد » « 2 » و قوله عليه الصلاة والسلام « لا يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيبة من نفسه » . قال في ( شرح الإبانة ) : وروى زيد بن عليّ بإسناده إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام ؛ أنّ قاطع الطريق ، إذا تاب قبل أن يؤخذ وظفر به الإمام . ضمن المال واقتص منه . ثم قال : أما الكافر فلا خلاف أن توبته تسقط عنه جميع الحدود . انتهى .

--> ( 1 ) الأثر رقم 11889 من التفسير . ( 2 ) أخرجه الترمذي في : البيوع ، 39 - باب ما جاء في أن العارية مؤداة ، ونصه : عن سمرة عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال « على اليد ما أخذت حتى تؤدّي » .